السيد محمد باقر الصدر

558

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

قضية تكرارية . وما دام مبدأ عدم التناقض قضية إخبارية تركيبية فالمشكلة تعود من جديد ؛ لأنّ المنطق التجريبي مطالَب عندئذٍ بتفسير الضرورة واليقين في هذه القضية الإخبارية . فإن زعم أنّ هذه القضية الإخبارية مستمدّة من التجربة كسائر القضايا الطبيعية أصبح عاجزاً عن تفسير الفرق بينها وبين القضايا الطبيعية ، وإذا اعترف المنطق التجريبي بأنّ مبدأ عدم التناقض يعبّر عن معرفة عقلية سابقة على التجربة ، ويستمدّ ضرورته من طابعه العقلي الأصيل ، كان هذا يعني : هدم القاعدة الأساسية في المذهب التجريبي ، وإسقاط التجربة عن وصفها المصدر الأساس للمعرفة البشرية . وبكلمة أخرى : إنّ قضية « ( أ ) هي ( أ ) » التي يعترف المنطق الوضعي لها باليقين بوصفها تكرارية ، هل تساوي قولنا : « ( أ ) من الضروري أن تكون ( أ ) أو من المستحيل أن لا تكون ( أ ) » ، أو تساوي قولنا : « ( أ ) هي ( أ ) فعلًا » دون أن نحكم بضرورة الإثبات أو استحالة النفي . فإن كانت تساوي القول الأوّل فهي قضية إخبارية وليست تكرارية ؛ لأنّ الضرورة والاستحالة ليست متضمّنة في مفهوم ( أ ) الذي هو موضوع القضية . وإن كانت تساوي القول الثاني فهذا يعني الاعتراف بتجريدها من عنصر الضرورة ، وجعل القضية القائلة : « الماء هو ماء » على مستوى القضية القائلة : « الماء ينجمد في درجة صفر » . ثانياً : إنّ قضايا الرياضة التطبيقية ليست ضرورية الصدق ضرورة مطلقة ، ولكنّها ضرورية الصدق ضرورة مقيّدة . فمثلًا : بديهيات الهندسة الإقليدية ليست صادقة صدقاً ضرورياً مطلقاً على كلّ مكان ، سواء كان مسطّحاً أو على أيّ هيئة أخرى ، بل إنّما تصدق على المكان المسطّح ، ولهذا يدخل عنصر تجريبي في الاعتقاد بصدق الهندسة الإقليدية فعلًا ، وانطباقها على المكان الذي نعيش فيه ؛